محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم ، لأَن ما بعد الفاء في جواب الجزاء استئناف ، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء ، ولذلك من العلة اخترنا جزم نكفر عطفا به على موضع الفاء من قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وقراءته بالنون . فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " في قوله : " ونكفر عنكم من سيئاتكم " ؟ قيل : وجه دخولها في ذلك بمعنى : ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها ، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجترئوا على حدوده ومعاصيه . وقال بعض نحويي البصرة : معنى " من " الإِسقاط من هذا الموضع ، ويتأول معنى ذلك : ونكفر عنكم سيئاتكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . يعني بذلك جل ثناؤه : والله بما تعملون في صدقاتكم من إخفائها وإعلان وإسرار بها وإجهار ، وفي غير ذلك من أعمالكم . خَبِيرٌ يعني بذلك ذو خبرة وعلم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو بجميعه محيط ، ولكله محص على أهله حتى يوفيهم ثواب جميعه وجزاء قليله وكثيره . القول في تأويل قوله عز وجل : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ يعني تعالى ذكره بذلك : ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإِسلام ، فتمنعهم صدقة التطوع ، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإِسلام حاجة منهم إليها ، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإِسلام فيوفقهم له ، فلا تمنعهم الصدقة . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن شعبة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين ، فنزلت : وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ فتصدق عليهم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو داود ، عن سفيان ، عن الأَعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين ، فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، قال : كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين حتى نزلت : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن إسحاق ، قالا : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن الأَعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانوا لا يرضخون لأَنسبائهم من المشركين ، فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فرخص لهم . حدثنا المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن الأَعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان أناس من الأَنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير ، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ، ويريدونهم أن يسلموا ، فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الآية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، وذكر لنا أن رجالا من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا : أنتصدق على من ليس من أهل ديننا ؟ فأنزل الله في ذلك القرآن : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ قال : كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج فلا يتصدق عليه يقول : ليس من أهل ديني ، فأنزل الله عز وجل : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الآية . حدثني محمد ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أما لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فيعني المشركين ، وأما النفقة فبين أهلها . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : كانوا يتصدقون . . .